الشيخ محمد الصادقي

319

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

تنازل عن فطرته وعقليته . وعلّ « فطرهن » جمعا دون فطرهما ، لكي تشمل معهما هذه التماثيل ، فهو - إذا - رب للعابدين والمعبودين سواه ، فكيف يعبدون سواه ؟ . فلست انا - فقط - الذي جاء بالحق في التوحيد ، بل الكون كله ، ولست أقوله دون ايمان كالذين « جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ » بل اشهد به كما يشهد الشاهدون ، فلست انا من اللاعبين ، بل جئتكم بحق مبين . هذه شهادة ابراهيمية على التوحيد وانه الحق الجدّ ، وبالتالي يثنيّها بالواقع الذي توعّده . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ 57 . موقف جريء ما اجرأه وأجراه على يديه ، أمام تلك الحشود المحتشدة المشركة ، تاركا ما اعتزمه من كيد الأصنام ، الأكيد ، مبهما دون إفصاح ، مما يضخّم أبعاد الوعيد ، وكأنهم نظروا إلى وحدته دون ناصر فوهدته لو اعتزم ، فلم يأخذوا وعيده بعين الاعتبار ، سنادا إلى قوتهم وضعفه ، لذلك لم يرجعوا له جوابا ، فلو كان لبان حيث الموقف موقف البيان . كيد مؤكد لاصنامكم « بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ » كما ولّوا وتركوه ، تهوينا لكيده المعتزم وتوهينا لحقه المخترم وقبولا لعذره الكائد المكتتم « فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ . فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ » ( 37 : 89 ) : فلما هموا بالذهاب إلى عيد لهم ، طلبوا اليه ان يرافقهم فأبى عن الانسلاك في سلكهم بعذره العاذر : « إِنِّي سَقِيمٌ » دونما سقم ظاهر ، إلا سقم النفس واضطراب الحال وكسوف البال ، حيث كان يتقطع حزنا على اشراكهم ، ويتميز غيظا لأنهم لم يلبوا ندائه ، وقد عقد عزمه ان يهدم صرح آلهتهم التي ألهتهم ويقوّض عرشهم ، لما رأى الحجة القولية لا تنفع